حسن بن عبد الله السيرافي
497
شرح كتاب سيبويه
تعالى : وَالنَّهارَ مُبْصِراً " 1 " أي يبصر فيه ، وتحقيقه من جهة النحو : أرواح ذو توديع ، فبني له من المصدر الذي يقع فيه اسم فاعل ، وإن لم يكن جاريا على الفعل ، كما قالوا : " رجل رامح وناشب " على معنى ذو رمح ونشّاب . قال أبو الحسن : تقول : " زيدا فاضرب " وبعده كلام قد أتينا عليه . قال سيبويه : ( واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي ، وإنما قيل دعاء ؛ لأنه استعظم أن يقال أمر ونهي ، وذلك قولك : اللهم زيدا فاغفر ذنبه ، وزيدا فأصلح شأنه ، وعمرا ليجزه اللّه خيرا . قال أبو الأسود الدؤلي : أميران كانا آخياني كلاهما * فلا جزاه اللّه عنّ بما فعل ) " 2 " اعلم أن جمهور النحويين لا يسمون مسألة من هو فوقك أمرا وإنما يسمونها مسألة أو دعاء ، وينكرون تسمية ذلك أمرا ، وللأخفش بعينه احتجاج طويل ، ورأيت بعض أهل النظر يسميه أمرا ، ويزعم أن ذلك جائز في الكلام والشعر وأنشدنا فيه بيتا يروى لعمرو بن العاص ، يخاطب فيه معاوية : أمرتك أمرا جازما فعصيتني * وكان من التوفيق فقدان هاشم " 3 " فزعم عمرو أنه أمر " معاوية " ، ومعاوية فوقه ، قيل له : يجوز أن يكون عمرو رأى نفسه من طريق المشورة ، وحاجة معاوية إليه في رأيه أنه فوقه في هذا الباب ، واحتج أيضا بقول اللّه تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ " 4 " وزعم أن الطاعة إنما تكون للآمر ، وليس أحد في القيامة يسأل غير اللّه تعالى ، وليس لهم في هذا حجة ؛ لأن نفي الطاعة لا يدل على أن ثمّ آمرا لم يطع ، وإنما المعنى أنهم لا يؤمرون ، وأنه لا أمر فيطاع ، كما قال : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ " 5 " ، وليس ثمّ شفاعة لهم ، وإنما المعنى لا شفاعة لهم فتنفع ، مثله قول أبي ذؤيب :
--> ( 1 ) سورة يونس ، آية : 67 ، النمل : 86 . ( 2 ) الأغاني 12 / 318 . ( 3 ) رغبة الآمل 3 / 113 . ( 4 ) سورة غافر ، آية : 18 . ( 5 ) سورة المدثر ، آية : 48 .